ساخت إيران!!
د.أحمد
الحسيني(*):: خاص بالقادسية
بالأمس
ذهبت للتبضع وشراء بعض الحاجيات المنزلية، وبينما أنا أتفحص- كعادتي- مدة انتهاء الصلاحية
وإذا بي أقرأ على علبة معجون الطماطة عبارة "ساخت إيران" أي صنع في إيران،
وما إن قرأت هذه العبارة حتى طرحت هذا المنتوج من يدي؛ إذ كيف يسوغ لمسلم سُّني أن
يسهم في قتل المسلمين!! نعم، إنَّي أظن يقينا أن هذه الأموال التي تذهب في جيب إيران
إنَّما هي مساعدة لها في تقوية اقتصادها وصولا إلى تقوية قبضتها على البلدان المهيمنة
عليها. وأن ذلك يصب أيضا في تقوية ميلشياتها التي تقتل بالمسلمين من أهل السنة في العراق
وسوريا ولبنان والبحرين وغيرها.
خرجت من محل تبضعي ونظرت في الأمر مرة أخرى وتفحصتُ
وجلتُ بناظري هنا وهناك فرأيتُ صورة "الحكيم" على يميني ورأيتُ صورة
"الصدر" على يساري ثم التفتُ ورائي ناحية المحل الذي تسوقت منه وإذا بصورة
"الجعفري" وهو يلبس في يده ثلاثة خواتيم، ومكتوب فوق رأسه القوي الأمين!!
فقمت بالإسراع من المكان- بعد أن خشيت على نفسي من الانفجار غضبا أمام هؤلاء- وفي الطريق
إلى داري وجدت نفسي أنظر إلى صورٍ لكأنَّي أنظرُها لأول مرة؛ فقمت أتلفت يمينا وشمالا
لأجد صورة المالكي حينا والسيستاني أحيانا أخرى..وأجد صورة هذا المرجع وذاك حتى وصلت
إلى داري.
وهناك
وبعد أن هدأت ثورة نفسي قليلا فكرت في الأمر، وقلتُ ما الغرابة من وجود منتوجات صُنعت
في إيران في بلدي الجريح!! أليس هؤلاء الرموز -الذين يحكموننا ويتصدرون لقيادة الجموع
الشيعية- كُلُّهم صُنعوا في إيران ..أليست هذه الشرطة التي تمارس أعمال القتل اليومي
والاغتيالات قد صنعت في إيران، أليس الجيش الذي سيحتفى به بعد أيام على أنَّه الجيش
العراقي كذباً وزوراً وبهتاناً .. أليس هو الآخرُ مصنوعاً في إيران!! أليست العمليةُ
السياسيةُ في عراقنِا برمتها قد صُنعتْ في إيران!.. نعم، كلُّ ذلك هو كذلك.
ثم قلتُ لنفسي أيُّ جامعٍ ورابطٍ يجمعُ كُلَّ ما
تقدم من هذه المنتوجات الإيرانية، نعم، هي كُلُّها مصنوعةٌ في إيران .. نعم هم كُلُّهم
شيعة .. وهم جميعاً قد وَلَغُوا في دماءِ أهْلِ السُّنةِ في العراق .. وهم كلهم يحملون
عقيدة اقصائية مريضة .. هم جميعا أسهموا في إضعاف العراق وصيرورته لقمة سائغة لطهران..
لكن ما هو أهم من ذلك كله.. الأهم من كل ذلك هو أنَّهم جميعا يكَّونون مشروعاً صفوياً
لرسم ملامح الهلال الشيعي، ولا فرق في ذلك بين عربيِّهم وتركمانيِّهم وكرديِّهم؛ فالكلُّ
يؤدي دوره بإخلاص وتفان وإتقان.. مشروعُهم يستهدف كل ما هو سُّني، مشروعٌ عقائدي وسياسي
وثقافي واقتصادي واستئصالي وإقصائي و و ...، مشروعٌ لا يتورع عن سفك الدماء، واغتصاب
الأملاك، وتهجير الآمنين...مشروعٌ رُسمت ملامحُه، ونُسج رجالُه، وصُنعت أدواتُه هناك
في بلاد الحقد والنار التي لم تنطفئ جذوتها منذ مئات السنين.
المشروع
الصفوي في العراق والمنطقة
تذكر
كتب الأدب أن رجلا في طهران نظر إلى آخر كان واقفا في الشمس عند باب قصر الرئاسة، فقال
له: (( لقد طال وقوفك في الشمس. فقال: ذلك ليطول جلوسي في الظل)).
لعلكم
عرفتم ذلك الرجل الواقف في الشمس. نعم إنُّه كناية عن المشروع الصفوي الذي استيقظ رجالاته
في جنح الليل البهيم المظلم وجدَّوا في السير حتى ملكوا البلاد والعباد، وأما رجالاتنا
فقد ناموا في وضح النهار وهم يرددون:
بلادُ
العُربِ أوطاني من الشام لبغدانِ... لسانُ الضادِّ يجمعُنا بغسَّانٍ وعدنانِ
ثم استيقظوا فوجدوا أنفسهم مطاردين في بلدانهم، ووجدوا
الناس في دمشق وبغداد يلهجون بلسان الفرس لا بلسان عدنان.
إن على
أهل السنة أن يفهموا طبيعة الصراع وأن الصراعات والمعارك التي خاضتها البشرية منذ القدم
وحتى يومنا هذا إنما هي صراع مشاريع وأفكار، وأن المشروع الصفوي- شئنا أم أبينا- قد
تلاقى اليوم مع المشروع الأمريكي الصهيوني وعلى حساب المشروع السُّني في المنطقة، كما
تلاقى قديما المشروع الصليبي مع المشروع المغولي ضد المشروع السني متمثلا بالخلافة
الإسلامية.
على
جميع دول المنطقة أن تستشعر خطورة المشروع الصفوي، وأنَّه استطاع أن يكون الحصان الرابح"الجوكر"
للمشروع الأمريكي والصهيوني. وعلى دول المنطقة جميعا التكاتف والسعي لإضعاف هذا المشروع
ومن ثم الخروج عليه منتصرا، وذلك من خلال تفكيك منظومة التحالف بين المشروعين الغربي
والصفوي، ثم دعم القادة الذين هم متمكنون في مقارعة هذا المشروع وتعريته أمام الناس،
والقادرين على إفهام جمهور أهل السنة بطبيعة المعركة وخطورة العدو. نعم إن أهل السنة
اليوم بحاجة إلى قائد فذٍّ من طراز الوزير السلجوقي نظام الملك، الذي أدار الصراع مع
المشروع الفاطمي الإسماعيلي برؤية إستراتيجية بعيدة المدى، وبحاجة إلى قادة عسكريين
من أمثال نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وبحاجة إلى فقهاء وعلماء كالغزالي الذي
عرَّى الباطنية وبيَّنَ زيفَ مقالاتِهم أوْ ابن تيمية الذي يُمثِلُ كابوساً مُزعجاً
بالنسبة للشيعة، على الجميع تكثيفُ جهودِهم باتجاه تعميقِِ الهوية العقائدية السُّنية
في نفوس الأمة. وهجرِ ثقافةِ التمييع التي ورَّثَها لنا الترضيون -لا سلمهم الله-.
حذارِ.. المشروع الصفوي كالسجادة العجمية!!
يُروى
أن سياسياً عربياً قال لسياسي عراقي في بدء الحرب الإيرانية العراقية، يوم أنْ كان
العراق يعيش جواً من نشوة النصر خلال السنة الأولى من الحرب: (( لا تفرحوا كثيرا للتقدم
الذي تحرزونه الآن على جبهة القتال، فالحرب مع إيران ستكون حربا طويلة المدى لا يمكن
حسمها بسهولة، ولا يمكن تحقيق انتصار سريع فيها. والسبب لا علاقة له بالتوازن العسكري
أو الفروسية والشجاعة. السبب أن الشعب الإيراني شعب صبور، طويل البال، دؤوب في متابعة
مصالحه. وأكبر مثال على ذلك صناعة السجاد. تصوَّر أن السجادة الواحدة، التي يعمل فيها
العشرات، تأخذ حوالي عشر سنوات لينتهي العمل فيها. فالشعب الذي يصرف سنوات لينتج سجادة
واحدة، سيصبر سنوات أطول لينتصر في الحرب. لا تستخفوا بصبر الإيرانيين وطول بالهم،
فتاريخ بلاد العجم مليء بالأحداث الجسام التي حققت انتصارات بقدر ما أنتجت سجادا)).
ونحن
نقول لهذا السياسي المستعجم أن طبيعة الصراع بين الأمم وأن الانتصارات والإخفاقات تبنى
على القضية ومدى استبسال أفرادها في الدفاع عنها، وهذا التاريخ حافل بذلك؛ فالمسلمون
الأوائل استبسلوا في الدفاع عن دينهم فانطفأت نار المجوس ولو إلى حين، والعراق يوم
أن كان يحمل فكرا قوميا-على هناته- استطاع أن يجرع رأس الكفر خميني السُّم، فما بالك
لو تمحور أهل السنة حول هويتهم السنية واستبسلوا في الدفاع عنها، إذن لن تخيفنا حينها
جعجعة هذا السياسي المستعجم ولا طحنه كما لم تخف سابقا العراقيين في ملحمتهم الكبرى
ووقوفهم أمام الدولة الصفوية وهي في أوج عنفوانها حتى جرعتها الهزيمة النكراء.
أخيراً.. لماذا مشروع القادسية الثالثة؟
إن مشروع
القادسية الثالثة بقائده وجنوده لبنة مهمة في بناء مشروع أمة، ويحمل هموم أمة تخاف
أن يضيع الإسلام بين براثن أحفاد ماني ومزدك وزرادشت وكلابهم النابحة، إن هذا المشروع
على ضعف الإمكانيات المتاحة لديه يمثل صفحة بيضاء ومشرقة ومصباحا يستنير به من أراد
الطريق المثلى لمجابهة المشروع الصفوي، ولكن ينبغي التنبيه على أن مشروع المجابهة الذي
اضطلع بالقيام به رجال القادسية الثالثة مشروع قاس ومرير، ولا يتحقق إلا بوجود رؤية
مشتركة تتخذها الأمة مرتكزًا لها في صراعها لا تحيد عنه، وأن تتكاتف جهود الأمة أفرادا
وشعوبا ودولا وساسة -وهم الحلقة المهمة- في دعم المشروع وتقويته وقبل ذلك ومعه وبعده
هو التثبيت من الله ثم التمكين والنصر.
وأخيرا
نحن على يقينٍ بأن المشروع الصفوي كالبضاعة الصفوية ليس فيها صلاحية طويلة الأمد، وإنما
سرعان ما سيتآكلها الزمن فتهترئ من تلقاء نفسها، أو يفقد الناس الثقة بها، أو يأتي
من يرميها في سلة المهملات، وإن وعد الله لات.
0 التعليقات:
إرسال تعليق